الشنقيطي
162
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
من فعله ما يدل على جعل الثلاث واحدة ، وقد مر لك أن أثبت ما روي في قصة طلاق ركانة أنه بلفظ البتة ، وأن النبي حلفه ما أراد إلا واحدة ، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى . وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني أنه قال : يا رسول اللّه أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحلّ لي أن أراجعها ؟ قال : لا ، كانت تبين منك ، وتكون معصية « 1 » . وقد قدمنا أن في إسناده عطاء الخراساني ، وشعيب بن زريق الشامي ، وقد قدمنا أن عطاء المذكور من رجال مسلم ، وأن شعيبا المذكور قال فيه ابن حجر في التقريب صدوق يخطئ ، وأن حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت عن ابن عمر في الصحيح من أنه قال : وإن كنت طلّقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتّى تنكح زوجا غيرك ، وعصيت ربّك فيما أمرك به من طلاق امرأتك « 2 » . ولا سيما على قول الحاكم : إنه مرفوع ويعتضد بالحديث المذكور قبله ؛ لتحليفه ركانة وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقي والطبراني ، وبحديث سهل بن سعد الساعدي الثابت في الصحيح ، في لعان عويمر وزوجه ، ولا سيما رواية فأنفذها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، يعني الثلاث المجتمعة وببقية الأحاديث المتقدمة . وقد قدمنا أن كثرة طرقها واختلاف منازعها يدل على أن لها أصلا وأن بعضها يشد بعضا فيصلح المجموع للاحتجاج . ولا سيما أن بعضها صححه بعض العلماء وحسنه بعضهم ، كحديث ركانة المتقدم . وقد عرفت أن حديث داود بن الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته ، فإذا حققت أن المروي باللفظ الصريح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ليس يدل إلا على وقوع الثلاث مجتمعة ، فاعلم أن كتاب اللّه ليس فيه شيء يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدة ؛ لأنه ليس فيه آية فيها ذكر الثلاث المجتمعة ، وأحرى آية تصرح بعدم لزومها . وقد قدمنا عن النووي وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً ( 1 ) [ الطلاق : 1 ] قالوا معناه : أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه ؛ لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع ، لم يقع طلاقه إلا رجعيا ، فلا يندم . وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعة ، وأن ذلك داخل في معنى الآية وهو واضح جدا ؛ فاتضح أنه ليس في كتاب اللّه ولا في صريح قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث .
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه مسلم في الطلاق حديث 1 .